محمد راغب الطباخ الحلبي
460
إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء
خليفته في هذا الفن بلا مدافع ، وإليه انتهت الرئاسة فيه بلا منازع . وإنا نذكر لك نبذة من طريقة الوراق في الإنشاد ، وبها تعلم أن الإنسان لا يبلغ هذه المنزلة مع الذكاء المفرط إلا بعد عناء كثير وتمرين طويل ، وبذلك تقف على مقدار رقيّ هذا الفن في الشهباء في القرن الماضي والعصور التي قبله ، وتخيل في نفسك مقدار ما كان يدخل على النفوس من الطرب حين كان الإنشاد على هذه الصورة ، وتعلم انحطاط هذا الفن في هذا العصر وأنه أصبح خلاعة ومجونا قد خرج فيه أربابه عن حدود الحشمة والآداب ، وخصوصا بعد ما فشا السماع في الديار المصرية والسورية والعراقية والتركية من العاهرات الفاجرات ، فصار المقصود من السماع الخلاعة والفجور لا المهارة الفنية ولا الصناعة الأدبية . وكان الوراق رحمه اللّه لا ينتقل من إنشاد إلى شغل أو من شغل إلى إنشاد أو من شغل إلى شغل إلا لمناسبة ، إما للوزن والقافية أو للمعنى لما يصح أن يجعل الثاني مقولا للقول الأول أو غير ذلك مع الأساليب الموافقة للصناعة من الأصول والطبقة والنغم وتصوير النغم ، فبينما كان ينشد مثلا : رعا اللّه أرعانا ودادا لخله * وبلّ من الأشواق أشجان أشجانا ولا بلغ المأمول منا أملّنا * ولا اكتحلت بالسهد أجفان أجفانا وإذا به قد انتقل إلى شغل : يا سيد كل الغيد * ما ضر لو وافانا يا من لقاه عيدي * وصاله أحيانا وبينما تراه ينشد مثلا : قبل صحبي إلى المدامة صح بي * وإلى كل سرب يا صاح سربي بأبي ظبية من السرب لاحت * طال عتبي لها وما طلّعت بي ثم قالت يا مولعا بهوانا * ما تقل بي فقلت قد مات قلبي وإذا به قد انتقل إلى شغل على هذا الروي فيقول : حادي الركب لنحو حبي سربي * وعج بي نحو الشعب